الشوكاني

232

فتح القدير

ويدخل فيهم المنافقون دخولا أوليا . ثم ذكر سبحانه بعض قبائحهم فقال ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) أي حتى يتفرقوا عنه ، يعنون بذلك فقراء المهاجرين ، والجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل لفسقهم ، أو لعدم مغفرة الله لهم . قرأ الجمهور " ينفضوا " من الانفضاض ، وهو التفرق ، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي " ينفضوا " من أنفض القوم : إذا فنيت أزوادهم ، يقال نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض . ثم أخبر سبحانه بسعة ملكه فقال ( ولله خزائن السماوات والأرض ) أي إنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين ، لأن خزائن الرزق له فيعطي من شاء ما شاء ويمنع من شاء ما شاء ( ولكن المنافقين لا يفقهون ) ذلك ولا يعلمون أن خزائن الأرزاق بيد الله عز وجل وأنه الباسط القابض المعطي المانع . ثم ذكر سبحانه مقالة شنعاء قالوها فقال ( يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) القائل لهذه المقالة هو عبد الله بن أبي رأس المنافقين ، وعنى بالأعز نفسه ومن معه ، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه ، ومراده بالرجوع رجوعهم من تلك الغزوة ، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل هو فرد من أفرادهم ، وهو عبد الله بن أبي ، لكونه كان رئيسهم وصاحب أمرهم ، وهم راضون بما يقوله سامعون له مطيعون . ثم رد الله سبحانه على قائل تلك المقالة فقال ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) أي القوة والغلبة لله وحده ولمن أفاضها عليه من رسله وصالحي عباده لا لغيرهم . اللهم كما جعلت العزة للمؤمنين على المنافقين فاجعل العزة للعادلين من عبادك ، وأنزل الذلة على الجائرين الظالمين ( ولكن المنافقين لا يعلمون ) بما فيه النفع فيفعلونه ، وبما فيه الضر فيجتنبونه ، بل هم كالأنعام لفرط جهلهم ومزيد حيرتهم والطبع على قلوبهم . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن زيد بن أرقم قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأصاب الناس شدة ، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه ( لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) من حوله ، وقال ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله ، فاجتهد يمينه ما فعل ، فقالوا : كذب زيد رسول الله ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في إذ جاءك المنافقون ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم ، وهو قوله ( كأنهم خشب مسندة ) قال : كانوا رجالا أجمل شئ . وأخرجه عنه بأطول من هذا ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : إنما سماهم الله منافقين لأنهم كتموا الشرك وأظهروا الإيمان . وأخرج ابن المنذر عنه ( اتخذوا أيمانهم جنة ) قال : حلفهم بالله إنهم لمنكم اجتنبوا بأيمانهم من القتل والحرب . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ( كأنهم خشب مسندة ) قال نخل قيام . وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عنه أيضا . قال نزلت هذه الآية ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) في عسيف لعمر بن الخطاب . وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم وابن مسعود أنهما قرآ ( لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ) . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال " كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة . قال سفيان : يرون أنها غزوة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال المهاجري يا للمهاجرين وقال الأنصاري يا للأنصار ، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما بال دعوة الجاهلية ؟ قالوا رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : دعوها فإنها منتنة ، فسمع